الشيخ محمد رشيد رضا

519

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فهم الذين نصروا الدين للدنيا ، وقد حكم اللّه على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب ولهو ، فالمراد من قوله ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ) هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه ، وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة ، وداخلين تحت هذه الحالة ، واللّه أعلم اه أقول كان ينبغي أن يذكر نحوا من هذا في تفسير ( وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) وقد جعل هو هذه الجملة مؤيدة له وجعله هو المراد من اللعب واللهو ، ذاهلا عن كونه لا يظهر في كفار قريش الذين قصدوا به أولا وبالذات . والوجه الأول اعتمده المتأخرون وفيه أنه مخالف لقوله تعالى ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) وقوله ( 5 : 60 الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً ) فاللّه تعالى لا يضيف دين الاسلام إلى الكفار . ومعنى غرتهم الحياة الدنيا أنها خدعتهم وأغفلتهم عن أنفسهم وما هي مستعدة له من الكمال ، وعن كون البعث حقا والعدم المحض من المحال ، فاشتغلوا بلذاتها الحقيرة الفانية المشوبة بالمنغصات ، عما جاءهم من الحق مؤيدا بالحجج القيمة والآيات البينات ، فاستبدلوا الخوض فيها ، بما كان يجب من فقهها وتدبرها وهذا الامر بترك هؤلاء المغرورين قد جاء على سبيل التهديد كقوله ( 15 : 3 ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) وهو تهديد بعذاب الدنيا بدليل قوله بعده ( 4 وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ 5 ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ) وورد مثله بعذاب الآخرة ( 43 : 83 و 70 : 42 ) وقيل المراد به الامر بالكف عنهم وترك التعرض لهم وانه نسخ بآية القتال ، روي عن قتادة وضعفه المحققون . وإذا لم يتضمن معنى التهديد كان معناه ذرهم ولا تهتم بخوضهم ولا تكذيبهم وعليك ما كلفته وحملته من تبليغ دعوة ربك ، وذلك قوله عز وجل وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ البسل مصدر بسله يطلق بمعنى حبس الشيء ومنعه بالقهر وبمعنى الرهن والإباحة ، وأبسل الشيء كبسله أسلمه للهلاك ومنه أسد باسل ورجل باسل أي شجاع ممتنع على أقرانه أو مانع لما يريد حفظه أن ينال . والضمير في قوله « به » للقرآن المعلوم بقرينة الحال لأنه هو الذكر الذي بعث به الرسول المذكر ، وبقرينة المقال كقوله تعالى في آخر سورة ق ( فَذَكِّرْ